top of page

وكان الاثنان يركضان معًا

يصف لنا القديس يوحنا في روايته

عن قيامة السيد المسيح رد فعل مريم المجدلية عندما أتت إلى القبر والظلام باقٍ فنظرت الحجر مرفوعًا بقوله:


«فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه»

(يو٢٠: ٢).


ثم عاد أيضًا في نفس الرواية ووصف رد فعله هو وبطرس الرسول عندما سمعا ما قالته مريم لهما قائلًا:


«وكان الاثنان يركضان معًا»

(يو٢٠: ٤).


وليس يوحنا فقط هو الذي نوَّه عن رد الفعل هذا، بل لوقا أيضًا حيث قال:


«فقام وبطرس وركض إلى القبر»

(لو٢٤: ١٢).


أمّا متّى فقد انفرد دونًا عن باقي الإنجيليين بتوضيح أمر الملاك للمريمتين:


«واذهبا سريعًا قولا لتلاميذه إنه قد قام من الأموات»

من ثَمّ كان رد فعلهما أنهما:

«خرجتا سريعًا من القبر بخوف وفرح عظيم راكضتين لتخبرا تلاميذه»

(مت٢٨: ٧-٨).


ولعلّ انطلاق المريمتين هذا يذكّرنا بمشهد العصفور الحي في شريعة تطهير الأبرص، الذي بعدما يُغمَس في دم العصفور المذبوح على الماء الحي يُطلَق على وجه الصحراء (لا١٤: ٦-٧). ما أود لفت النظر إليه هنا هو أن رد فعل المريمات والتلاميذ لخبر القيامة كان "الركض"!!


والسؤال الذي يطرح نفسه الآن:

لماذا الركض عند تلقّي خبر القيامة؟


في الواقع يحمل الركض العديد من المعاني والمدلولات. إنه يدل أولًا على الفرح الشديد الممزوج بالحب. فالذي يتلقّى خبرًا سارًا لا يتوانى من شدة فرحته عن مشاركته مع أحبائه. هذه هو جوهر كل كرازة في المسيحية. لقد كان الركض هو رد فعل الأب أيضًا لقيامة ابنه من موت الخطية في قصة الابن الضال:

«وإذ كان لم يزل بعيدًا رآه أبوه فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله»

(لو١٥: ٢٠).


المدلول الثاني للركض هو سرعة انتشار خبر القيامة على يد مبشّرين غيورين لا يعرفون الكسل أو التواني. يذكّرنا ذلك بما حدث مع داود عندما تسابق رجلان في الجري لكي يبشّراه بالغلبة في الحرب:

«وكان داود جالسًا بين البابين وطلع الرقيب إلى سطح الباب إلى السور ورفع عينيه ونظر وإذا برجل يجري وحده. فنادى الرقيب وأخبر الملك، فقال الملك: إن كان وحده ففي فمه بشارة. وكان يسعى ويقرب. ثم رأى الرقيب رجلًا آخر يجري. فنادى الرقيب البواب وقال هوذا رجل يجري وحده. فقال الملك وهذا أيضًا مُبَشِّر»

(٢صم١٨: ٢٦).


يا ليتنا نتعلم كيف نحمل بشرى القيامة المفرحة للجميع بكل غيرة كما هذين الرجلين!! أما المدلول الثالث للركض فهو السعي الجاد والجهاد الشاق. هذا المدلول يتحدث عنه بولس الرسول بوضوح قائلًا:

«ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون ولكن واحدًا يأخذ الجعالة. هكذا اركضوا لكي تنالوا... إذ أنا أركض هكذا ليس عن غير يقين»

(١كو٩: ٢٦،٢٤).


توجد إذًا رابطة وثيقة بين القيامة والجهاد. فخبر القيامة ليس مجرد خبر مبهج يحرك المشاعر والانفعالات البشرية، بل هو يضع على عاتقنا مسئولية الجدية في الجهاد الشخصي حتى تصير هذه القيامة مفَّعلة في حياتنا. كل عيد قيامة ونحن جميعًا راكضون في طريق الخلاص!!


نيافة الحبر الجليل

الانبا يوسف

مطران جنوب الولايات المتحدة الأمريكية

1 view0 comments

Comments


bottom of page